هو العلّامة كبير قضاة دولة بني خالد الشيخ أحمد بن الشيخ عبدالله بن الشيخ محمد بن عبدالقادر، من أوائل علماء الأسرة التي وصلنا معلومات لا بأس بها عن آثاره و أخباره. ذكره الزركلي في كتاب الأعلام، فقال:

"أحمد بن عبدالله بن محمد بن عبدالقادر الأنصاري الخزرجي. جد الأسرة المعروفة اليوم في الأحساء، وأول من اشتهر من رجالها. مولده ووفاته فيها. من الشافعية . تولى رئاسة القضاء لحاكمها وصار كاتب سره صاحب النفوذ عنده. مدحه عدد من الشعراء بينهم المؤرخ الشيخ حسين بن غنام."

 اتجه الشيخ إلى طلب العلم إتباعاً لنهج آباءه و أجداده، فأخذ الفقه و علوم اللغة العربية على أيدي علماء الأحساء في تلك الحقبة و غيرهم من العلماء الوافدين إليها، حيث قرأ الفقه و النحو على العلّامة عبدالله بن محمد آل عبداللطيف المشهور بالشافعي الصغير، و قام بدراسة كتاب البهجة المرضية في شرح الألفية للإمام السيوطي على يد العلّامة محمود بن محمد الكردي البيتوشي.

 حظيَ الشيخ بمكانة بارزة لدى من عاصره من حكام بني خالد مثل الشيخ عرعر بن دجين وإبنه سعدون، فشغل أثناء حكمهما منصب المستشار الأول بمنزلة كبير القضاة ورئيس الوزراء، وكان ورعاً حيث أنه لم يقبل ذاك المنصب حين عرضه عليه عرعر فقال له: لماذا؟ فأجابه بأني لا أريد أن أكتب شيئاً يخالف الشرع، فقال له: لك ذلك ولكن وافِق! فوافَقْ.

 و لسمعته الطيبة نال الشيخ ثقةً كبيرةً أهّلته ليكون وصيّاً و متولياً على وصية جد الشيخ عرعر، فقد جاء في وثيقة شرعية

"بسم الله أقول وأنا الفقير إلى الله عرعر بن دجين بأن جدي سعدون بن محمد قد أوصى بثلاثة عشر موسمية تنزع من العقار المسمى بالخريمة الكائنة بطرف الحقل وعين له في ذلك أضحية كل سنة وطعما في شهر رمضان كل سنة، وقراءة جزء من القرآن كل يوم على الدوام وإهداء ثوابه له وجعل الوصى على ذلك والمتولى له عبدالله بن محمد بن عبدالقادر ثم من بعده على الصالح من أولاده ثم من بعدهم على أولادهم وقد قررت أحمد بن عبدالله فيما هو مذكور ثم أولاده من بعده بشرط القيام بما عينه الموصى في ذلك تقريرا شرعيا. ولعنة الله على من غيّر ذلك أو سعى في تبطيله. فمن بدّله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم. جرى ذلك بحضرة عبدالله بن عبدالمحسن وعبدالرحمن بن ثمام. وكفى بالله شهيداً."

وكان للشيخ -رحمه الله- علاقات وثيقة مع علماء زمانه، خصوصاً مع العلّامة البيتوشي الذي ذكر الشيخ في كتابه "صرف العناية بشرح الكفاية"، فقال:

"هو أحمد بن عبدالله بن محمد الأنصاري الخزرجي الأحسائي. دأب في اقتناء الأدب، وبرع في لسان العرب، ونشأ على كاهـل المجـد حتى اكتهل، وألقت إليه المعاني اعنتها من غير مهل، ولم يزل أحسن من أمسه غده حتى تمكنت من ناصية الحظ يده، فاكتسى من الشمس غُرَّة، واغترف بالكف الخضيب من نهر المجرة، وطالت ذراع سعده، حتى هَـمَّ باجتناء عنقود الثريا على بعـده، وقلبَ طرفه في جبهة الأسد فصار من هيبته جديا، ولم يترك دلـو جدواه المجدولة الرشاء في بطن بلدته كبـدا صديا. وكان منذ كان إلى أن تغمده الله بالغفران من بلدة الأحساء كالقلب من الصدر، وهي منه كالهالة من البدر. سقى الله ثراه شآبيب الرحمة، ووسع مسلكه يوم الزحمة."

ويقول الشيخ محمد الخال مؤلف كتاب "البيتوشي" عن الشيخ أحمد بن عبدالله:

"كان شاعراً ماهراً، وأديباً واسع المعرفة، بعيد الخيال رقيق الشعور، وكانت علاقته بالبيتوشي علاقة علمية روحية، وأدبية وثيقة، فكان البيتوشي يتفيأ ظلال عزه وكرمه، وكان هو يقدر البيتوشي حق قدره ويمده دائماً بما لديه من مال وجاه ويظله برعايته وجوده وبهذه المناسبه جرت بينهم أشعار وأبيات رقاقة ينعكس منها مقدار الاتصال الروحي بين هذين الأديبين."

 لقد كان للكتب قيمة عالية لدى الشيخ أحمد، و رغم صعوبة توفرها في ذلك العصر، فقد بذل الكثير من الحرص و الجد في جمع وتحقـيق ومقـابـلة المفيد من الكتب وخاصة ما عني منها بعلوم الدين والأدب، فجمع العديد منها بالشراء الشرعي أو النسخ أو عن طريق الهبة مثل أخيه العلّامة حسين بن عبدالله، ومن هذه الكتب:

صورة المصحف
صورة للمصحف الشريف بخط الشيخ أحمد
  • نسخة جليلة للقرآن الكريم نسخها بنفسه عام 1168 هـ، وقد كتبها على 34 قاعدة، من أهمّا:
    • أن كلّ جزء مكتوب في عشر ورقات.
    • أن كلّ جزء يبدأ بصفحة جديدة.
    • أن كلّ صفحة تبدأ بآية جديدة.
    • ألفاظ عديدة مثل: سبحان الله، ويأيها الذين آمنوا، ويأيها الذين كفروا، كلها تبدأ في أوائل الأسطر.
  • نسخة خطيّة من كتاب الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للشربيني في الفقه الشافعي كتبها سنة 1161 هـ.
  • مخطوطة من كتاب فرائد القلائد في شرح مختصر الشواهد للعلّامة محمد بن أحمد العيني الحنفي.
  • مخطوطة من كتاب البهجة المرضية بشرح الألفية للإمام السيوطي، وهبها له أخوه الشيخ حسين.
  • نسخة من النصف الأول من فتح الجواد للعلّامة الإمام ابن حجر الهيتمي الشافعي، نسخها بيده سنة 1165 هـ.
  • له مقابلة لكتاب تحفة المحتاج بخط الشيخ أحمد بن ضاحي سنة 1178 هـ.
  • مقابلة أخرى له لكتاب فتح الجواد شرح الإرشاد بخط الشيخ أحمد بن محمد بن عثمان سنة 1164 هـ.
  • نسخة خطيّة من كتاب الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيتمي، و هذه المخطوطة كتبها محمد بن إبراهيم الكثير للشيخ حسين سنة 1188 هـ، ثم انتقلت إلى الشيخ أحمد.

كان الشيخ أحمد -رحمه الله- أديباً و شاعراً ذائع الصيت في عصره، وله مساجلات مع بعض العلماء والشعراء مثل الشيخ العلّامة عبدالله بن محمد البيتوشي، والسيد الشيخ عبدالرحمن بن أحمد الزواوي و غيرهم.

ولجودة شعره رغم قِلّته، فقد أثنى الأدباء ومحبوا الشعر على أدبه مثل الشيخ البيتوشي الذي قال عنه "دأب في اقتناء الأدب، وبرع في لسان العرب" و قال عنه الدكتور محمد جابر الأنصاري "من وجهاء الأحساء و علمائها، وكان فقيهاً و شاعراً".

ولقد تضمّن كتاب "تحفة المستفيد" لمؤلّفه حفيده الشيخ محمد بن عبدالله نماذج من قصائده، وله قصائد لا تزال مخطوطة في أغراض كثيرة من الشعر. ورغم المكانة الشعرية الرفيعة التي كانت له في عصره وما تلاه، إلا أن شعره لم يجمع بديوان. ومما يؤكد تلك المكانة قصائد نظّمها من عرفوه عن قرب و قدّروا شاعريته، بجانب ما كان له من مكانة اجتماعية رفيعة و ما اتسم به من نبل الأخلاق. و من تلك القصائد قصيدة طويلة مدحه بها العلّامة عبدالله البيتوشي، منها:

أريـــــد أحمــــدها إسمـــــا وجودهــــا         وسما أمجـدّها عندي أسمـــــاها
غصن النــــدى دوحـة الأنصـــــار دوحته         أعلا البريــــة أوصــــافا وأغــــــلاها
شادي مباني العُــــــلا حلما ومكرمـــة          مُردي العــوادي بأخــلاق تحــلاها
الوارثُ المجــــدِ في فتيـــان انتشـــرت         فينـــــا فضــائلهم والله أفشـــــاها
يا ابن الأولى غير طرق المجد ما عرفوا         لازلت أسـما الورى فضلا وأسناها
فاسلم دوامـــا ما أطــــــاع الله ذو رمق         منــــا ومـا حثّ زوارٍّ مطـــــــايـــاها

 

توفيّ الشيخ –رحمه الله- عام 1197 هـ تقريباً.

 

عن الموقع |  راسلنا  |  ابحث في الموقع  |  تنويه
جميع الحقوق محفوظة لمجلس

أسرة العبدالقادر


المبرز، الأحساء، المملكة العربية السعودية